علي بن أحمد المهائمي

581

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

أقامني اللّه في هذا المقام ) أي : مقام الكشف عن أحوال الميت ، ونطق الصامت ، وحركة القاعد ( تحققت بحيوانيتي ) بظهور العلامة الثانية التي هي أظهر العلامات ، فكان ( تحققا كليّا ) ، وإن لم يتبدل على الصورة الإنسانية ، فليست الإنسانية بتلك الصورة بل بالنطق ، وقد ذهب عني بالكلية ( فكنت أرى ) أشياء مما ذكرنا ومن غيره ، ( وأريد أن أنطق بما أشاهده ) من ذلك الكشف بقصد الإرشاد ( فلا أستطيع ) ، وليس عدم هذه الاستطاعة كعدم استطاعة المريض ، بل كعدم استطاعة الأخرس . ( فكنت لا أفرق بيني وبين الخرس الذين لا يتكلمون ) بشيء من الكلام لا كالذين يتكلمون بالبعض ويعجزون عن البعض ، وإذا كان لهذه الحيوانية بعد الملكية هذا الكشف ، ( فإذا تحقق ) العارف ( بما ذكرنا ) من الحيوانية ، ثم الملكية ، ثم الحيوانية مع الكشف المذكور ( انتقل ) من هذه الحيوانية ( إلى أن يكون عقلا مجردا ) ؛ لأن هذه الحيوانية تجذبه إلى العالم العلوي أشد من جذب الملكية التي قبلها ، فتكمل ملكيته ثانيا أكمل بما كانت عند الانتقال من الحيوانية الأولى ؛ لأنها بحسب المنتقل منه ، فيصير ( في غير مادة طبيعية ) ، بل إما في مادة مثالية أو لا يبقى في مادة أصلا ، ( فيشهد ) بهذه الملكية بعد الحيوانية الثانية ( أمورا هي أصول لما يظهر في الصور الطبيعية ) ؛ لالتحاقه بالملأ الأعلى فوق رتبة الملائكة السماوية ، وهي منتقشة بالفعل بكل ما يؤخذ في عالم الكون والفساد وبالأسباب الحقيقية ؛ لذلك بخلاف الملائكة السماوية فإن انتعاشها بذلك لا يكون بالفعل بجميع ما يكون فيه البعض ، ثم يمحي ويثبت البعض الآخر على حسب حركات أفلاكها ، وليس فيها أسباب ذلك وأسرارها على وجه الاستيعاب والاستقصاء ، ( فيعلم من أين ظهر هذا الحكم في الصور الطبيعية ) أي : يعرف ذلك في حكم جزئي يطلع عليه ، فيمكنه في الجملة التصرف في العالم بمقتضى ذلك ، ( فإن كشف ) له مع ذلك ( أن الطبيعة عين نفس الرحمن ، فقد أوتي خيرا كثيرا ) ، إذ يحصل له كمال المعرفة مع كمال التصرف في العالم ، إذ يرى نفسه الذي هو من الصور الطبيعية عين نفس الرحمن الذي به سريان إشراق نوره في الموجودات ، وهو الذي يتحد به الحق مع الخلق ، فيتم له التوحيد ( وإن اقتصر معه ) أي : مع الانتقال إلى العقل المجرد ( على ما ذكرنا ) من شهود أصول ما يظهر في الصور الطبيعية . ( فهذا القدر يكفيه من المعرفة ) وإن لم يبلغ إلى كمالها المفضي إلى التوحيد ، لكنها من المعرفة ( الحاكمة على عقله ، فيلحق ) في الجملة ( بالعارفين ) ؛ لأنه لما اطلع على أصول ما يظهر في الصور الطبيعية اطلع على أصل تلك الأصول ، وهي ظهور الحق بصور أسمائه في الموجودات ، ( فيعرف عند ذلك ذوقا ) وراء المعرفة العلمية معنى قوله تعالى : ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ) ، إذ